وهبة الزحيلي
252
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
شيء إلا عنده خزائنه ، وما من نعمة بخلقه فمنه وحده ، لا شريك له ، كما قال تعالى : وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ ، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها ، إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [ إبراهيم 14 / 34 ] . وروى الإمام أحمد والشيخان عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن يمين اللّه ملأى لا يغيضها نفقة ، سحّاء ، الليل والنهار « 1 » ، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض ، فإنه لم يغض ما في يمينه - قال : وعرشه على الماء ، وفي يده الأخرى الفيض - أو القبض - يرفع ويخفض . وقال : يقول اللّه تعالى : أنفق أنفق عليك » . وعبر عن سعة الجود ببسط اليدين ، لأن الجواد يعطي بكلتا يديه . والعقيدة في هذا المعنى نفي التشبيه عن اللّه تعالى ، وأنه ليس بجسم ولا جارحة ، كما قال ابن عطية . أما تقتير الرزق على بعض الناس فلا ينافي سعة الجود ، فإن له حكمة وإرادة ومشيئة في تفضيل بعض الناس على بعض في الرزق كما قال سبحانه : وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ ، وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ ، إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ [ الشورى 42 / 27 ] اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ [ الرعد 13 / 26 ] . ثم بيّن اللّه تعالى مدى تأثير القرآن فيهم فقال : وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً . . أي تاللّه ليزيدن ما أنزل إليك من الآيات البينات طغيانا وهو المبالغة والمجاوزة للحد في الأشياء ، وكفرا أي تكذيبا ، أي يكون ما آتاك اللّه يا محمد من النعمة نقمة في حق أعدائك من اليهود وأشباههم ، فكما يزداد به المؤمنون تصديقا وعملا صالحا وعلما نافعا ، يزداد به الكافرون الحاسدون لك ولأمتك طغيانا وكفرا ، كما قال تعالى : قُلْ : هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ ، وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ ،
--> ( 1 ) قال النووي : هو بنصب الليل والنهار ورفعهما ؛ النصب على الظرف ، والرفع على الفاعل ، أي فاعل يغيضها . والسح : الصب الكثير ، ويغيض : ينقص .